السيد محمد تقي المدرسي

54

في رحاب بيت الله

إن الإسلام أراد من خلال فريضة الحج إزالة الفوارق ورفع الحواجز بين الناس وتحويلهم إلى كتلة واحدة ، فسنّ ما سنّ من واجبات ومحرمات وعموم المناسك حتى يتدرب الناس على السلوك القويم ويجتمعوا على القيم الصالحة في مدة الحج المعلومة ، فيكون الناس أمة واحدة . . . وليس مجرد قرية صغيرة كما يحلو للبعض تسميته في زمننا الحاضر . ولكن القوى الشيطانية المادية سنت القوانين المغايرة لطبيعة الفطرة الإنسانية النزيهة ، ففرضت الحدود والهوية الشخصية ، وسعت كل جهدها لأن تزيد من الفواصل وتضاعف أشكال الفوارق بين الناس ، لتتسنى لها السيطرة على مقدراتهم . غير أن القوة الكامنة في فريضة الحج أصلب بكثير مما يخطط له الشيطان المستعمر رغم اصراره المستميت على التفرقة وسوق العالم نحو عبادة المادة ودحض الكرامة الانسانية ؛ هذه النعمة الإلهية العظمى . فالأمة الاسلامية التي تعج بالقومية ؛ هذا الصنم الاستعماري المصطنع ، وتعج بالثقافات والتقاليد الباطلة ، تراها تتلاشى وتتبخر في موسم الحج المبارك ، فيتحسس الإنسان أن الأمة الإسلامية لا تزال أمة واحدة تتنعم بوجود الروح فيها . أقول : إن هاجس القومية أو العنصرية أو المصلحية شيء أصيل في داخل الإنسان ، ولكن الإسلام أقوى من ذلك بكثير ، حيث اختط للناس سنناً وقوانين تكبح جماح تلك الهواجس والغرائز . فمن ممنوعات الحج أن ينظر الحاج في المرآة ، لكي يدك ذاته ويدحض الأنانية ويذوب في المجموع . وممنوع عليه أن يلبس غير لباس الإحرام ، لكي يتساوى الفقير والغني في المنظر .